الشيخ محمد رشيد رضا

379

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الْغالِبُونَ ) - اقرإ الآيات إلى آخر السورة ، فنفي جنس المبدل لكلمات اللّه مثبت لكلمته في نصر المرسلين بالدليل - أي إن ذلك النصر قد سبقت به كلمة اللّه ، وكلمات اللّه لا يمكن ان يبدلها مبدّل ، فنصر الرسل حتم لا بد منه . وكلمات اللّه جنس يشمل كلمات الاخبار وإنشاء الاحكام . كما سيأتي في تفسير ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ) من هذه السورة . وإضافة الكلمات هنا إلى الاسم الاجل الأعظم تشعر بعلة القطع بأنه لا مبدل لها ، لان المبدل لكلمات غيره لا بد أن تكون قدرته فوق قدرته . وسلطانه أعلى من سلطانه . والتبديل عبارة عن جعل شيء بدلا من شيء آخر ، وتبديل الأقوال والكلمات نوعان - تبديل ذاتها يجعل قول مكان قول وكلمة مكان كلمة . ومنه ( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ) وتبديل مدلولها ومضمونها كمنع نفوذ الوعد والوعيد أو وقوعه على خلاف القول الذي سبق . والمتكلمون الذين يجوزون إخلاف الوعيد يقولون إن للّه أن يبدل ما شاء من كلماته ، وانما يستحيل ذلك على غيره ، وتبديله إياها لا يشمله النفي في الآية . فان قيل لهم : قد يشمله ما هو أعم منه في هذا المعنى كقوله تعالى في سورة ق ( ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ) - قالوا إن النصوص الواردة في العفو تخصص العام من نصوص الوعيد ، أو : لا نسلم ان العفو عن بعض المذنبين من قبيل التبديل ، وسيأتي بسط هذا المبحث في موضع آخر وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ هذا تقرير وتأكيد لما قبله أي ولقد جاءك بعض نبإ المرسلين في ذلك ، أو ولقد جاءك ما ذكر - أو ذلك الذي أشير اليه - من خبر التكذيب والصبر والنصر ، من نبإ المرسلين الذي قصصناه عليك من قبل ، والنبأ الخبر أو ذو الشأن من الاخبار لا كل خبر . وقد روي أن الانعام نزلت بعد الشعراء والنمل والقصص وهود والحجر المشتملة على نبإ المرسلين بالتفصيل . وكلمة نبأ رسمت في المصحف الامام بياء هكذا ( نباى ) والياء كرسي للهمزة المحذوفة كالنقط ، فينطق بالهمزة دونها كما ترسم في وسط الكلمة في مثل نبئهم ومن العبرة في الآية ان اللّه تعالى وعد المؤمنين ما وعد المرسلين من النصر فقال ( 40 : 51 إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ )